الشيخ محمد رشيد رضا

99

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

به لغير اللّه فمن أكل منه مضطرا فهو لا يقصد إجازة عمل الوثنية ولا استحسانه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إذ حرم على عباده الضار ، وجعل الضرورات بقدرها ، لينتفي الحرج والعسر عنهم ، ووكل تحديدها إلى اجتهادهم ، فهو يغفر لهم خطأهم فيه لتعذر ضبطه وفسر الجلال كلمة ( باغٍ ) بالخارج على المسلمين ، و ( عادٍ ) بالمعتدي عليهم بقطع الطريق ( قال ) ويلحق بهم كل عاص بسفره كالآبق والمكاس وعليه الشافعي . قال الأستاذ الامام : ولا خلاف بين المسلمين في أن العاصي كغيره يحرم عليه إلقاء نفسه في التهلكة ، ويجب عليه توقي الضرر ، ويجب علينا دفعه عنه إن استطعنا ، فكيف لا تتناوله إباحة الرخص . ثم إن المناسب للسياق ان تحدد الضرورة التي تجيز أكل المحرم وتفسير الباغي والعادي بما ذكرنا هو المحدد لها ، وهو موافق للغة كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف ( ما نَبْغِي ) وفي الحديث الصحيح « يا باغي الخير هلم » وفي التنزيل ( ولا تعد عيناك عنهم ) أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم . فالكلام في تحديد الضرورة وتمام بيان حكم ما يحل ويحرم من الاكل ، لا في السياسة وعقوبة الخارجين على الدولة والمؤذين للأمة ، وانما كان هذا التحديد لازما لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا هو وكل إليهم بلا حد ولا قيد ، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر ، ويذهب ذلك بشهوته إلى ما وراء حد الضرورة ، فعلم من قوله ( غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) كيف تقدر الضرورة بقدرها ، والاحكام عامة يخاطب بها كل مكلف لا يصح استثناء أحد الا بنص صريح من الشارع . ويذكر بعض المفسرين في هذا المقام مسائل خلافية في الميتة كحل الانتفاع بجلدها وغير ذلك مما ليس بأكل ، وقد قلنا اننا لا نتعرض في بيان القرآن إلى المسائل الخلافية التي لا تدل عليها عبارته إذ يجب أن يبقى دائما فوق كل خلاف هذا ملخص ما قاله الأستاذ الامام في الدرس ، واقتصرت عليه في الطبعة الأولى وقرأه هو فيها . وأقول الآن انه رحمه اللّه كانت خطته الغالبة فيه ترك ذكر المسائل الخلافية التي لا يدل عليها القرآن ، وهذا غير الخلاف في مدلول عباراته كما هنا ، وربما يكون ذكر الخلاف وسيلة إلى بيان كونه فوق كل خلاف وقد زاد المفسرون على هذه المحرمات تبعا لفقهائهم محرمات أخرى استدلوا